محمد غازي عرابي

770

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

لوط كناية عن الفكر الذي آمن للوجدان والقلب المنور فسلم أمره إليه واعتمد عليه ، وإسحاق ويعقوب كناية عن العاقلتين النظرية والعملية ، والنتيجة النبوة التي هي كشف الغيب والإنباء به وصلاح أمر الإنسان دنيا وآخرة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( 28 ) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 29 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ( 30 ) [ العنكبوت : 28 ، 30 ] قوم لوط بمثابة دعوى الفعل ، وما للإنسان من الفعل إلا تمثيله كما قال تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فالمهدي مبصر بآيات اللّه وكيف تفعل جنود اللّه في قلب الإنسان ، فهو مشاهد ذو بصيرة ، وبصره حديد ، لا يشاهد إلا اللّه صاحب الفعل فيخاف الفعل ويحذر الناس من دعواه ، ولهذا قالت الأشاعرة للّه الفعل وللإنسان الكسب ، وقالت الصوفية في مقام الخضر لا يعطي الاعتراض على أحد من خلق اللّه لمشاهدة خاصة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 31 إلى 35 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ( 31 ) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 32 ) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 33 ) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 34 ) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 35 ) [ العنكبوت : 31 ، 35 ] قلنا القرية إشارة إلى البدن وأجهزته ، والرسل الأنوار الفعالة المحركة لهذا البدن وقواه ، فإذا ظهر أمر الرسل للمكاشف هلك البدن ، والهلاك معنوي ، إذ لا يرى المكاشف حينئذ من حوله إلا هذا الهيكل المادي الكبير المدار بقوة روحية خفية بدأت عملها بتكثف الذر اللطيف ، وهي دائمة التأثير في هذه الذريرات التي تدور كهاربها السالبة حول الموجبة ، ولولا هذا الجذب الخفي لكف الوجود المادي عن الوجود ولنسف نسفا وعاد ذرا لطيفا كما كان . والناجي من هذه القيامة العظيمة المكاشف الذي انتقل من دار البوار إلى دار البقاء ، وأهل الناجي فكره وقلبه ووجدانه ، وهو الوحيد حي بن يقظان في هذا العالم الغافل الغافي ، وإلى هذا العالم أشارت الآية الثالثة والثلاثون بامرأة لوط نفسها ، أنشد الحلاج قائلا :